الاسئلة و الأجوبة » الجهاد » الخروج على الحاكم الجائر


المواليه / امريكا
السؤال: الخروج على الحاكم الجائر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل يجوز الخروج على الحاكم الظالم عند اهل السنه؟
وهل يجوز الخروج على الحاكم الظالم عند مذهبنا مذهب اهل البيت عليهم السلام؟
نرجوا ذكر أدلة على ذلك لو سمحتم.
بارك الله بكم
الجواب:

الأخت الموالية المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يجيز المخالفون الخروج على الحاكم الجائر ويذكرون لذلك روايات منها:
ما رواه مسلم في صحيحه 6/21: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية.
وكذلك ما رواه مسلم ايضا 6/22: من رأى من اميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه ليس احد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية.

اما في مذهب اهل البيت فالروايات التي ذكرت والتي توهم وجوب السكوت في عصر الغيبة نذكرها ونذكر الرد عليها كما ورد في نظام الحكم في الاسلام ص99:
في ذكر الروايات التي ربما توهم وجوب السكوت في عصر الغيبة وعدم التدخل في الشؤون السياسية وفي الحقيقة تعد هذه الأخبار معارضة لما ذكرناها دليلا على وجوب السعي في إقامة الدولة العادلة.
فلنتعرض لها ونبين المراد منها:

الأولى: صحيحة عيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: " عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له. وانظروا لأنفسكم... فأنتم أحق أن تختاروا لأنفسكم، إن أتاكم آت منا فانظروا على أي شئ تخرجون، ولا تقولوا: خرج زيد، فإن زيدا كان عالما وكان صدوقا، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه، إنما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه، فالخارج منا اليوم إلى أي شئ يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)؟ فنحن نشهدكم إنا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر ألا يسمع منا. إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه، إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله، وإن تتأخروا إلى شعبان فلا ضير، وان أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعل ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة ". والصحيحة لا تدل على عدم وجوب الدفاع وعدم جواز الخروج، بل تدل على أن الداعي إلى الخروج قد تكون دعوته باطلة بأن يدعو إلى نفسه مثلا مع عدم استحقاقه لما يدعيه، كمن يدعي المهدوية كذبا. وقد تكون دعوته حقة، كدعوة زيد بن علي بن الحسين مثلا، حيث دعا الناس لنقض السلطنة الجائرة وتسليم الحق إلى أهله. فيجب على الأشخاص المدعوين أن ينظروا لأنفسهم ويعملوا الدقة في ذلك، ولا يتأثروا بالأحاسيس والعواطف الآنية. وهذا حكم عقلي فطري، إذ على الإنسان أن يحكم العقل في الأمور المهمة، ولا يقع تحت تأثير الإحساس الآني. فالصحيحة تمضي قيام زيد وتدل على القيام للدفاع عن الحق. والأخبار في فضائل زيد وعلمه وزهده وامضاء قيامه كثيرة مستفيضة، ولا خصوصية لزيد قطعا، وإنما الملاك هدفه في قيامه وصلاحيته لذلك. فالقيام لنقض الحكومة الفاسدة الجائرة مع إعداد مقدماته جائز، بل واجب.
ثم إن قيام زيد لم يكن قياما إحساسيا عاطفيا أعمى بلا إعداد للقوي والأسباب، فإنه بعث إلى الأمصار وجمع الجموع، والكوفة كانت مقرا لجند الإسلام من القبائل المختلفة، وقد بايعه فيها خلق كثير، قيل أربعون ألفا من أهل السيف، وأما اطلاعه على أنه المصلوب في كناسة الكوفة بإخبار الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) فلم يكن يجوز تخلفه عن الدفاع عن الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدما تهيأت له الأسباب. فإن المهم ظفر الإسلام لا ظفر الشخص وغلبته، ولعل شهادته أيضا تؤثر في تقوي الإسلام وبسطه، كما يشاهد في كثير من الثورات.
ففي حديث للصادق (عليه السلام) لفضيل " يا فضيل، شهدت مع عمي قتال أهل الشام؟ قلت: نعم، قال: فكم قتلت منهم؟ قلت: ستة، قال: فلعلك شاك في دمائهم؟ قال: فقلت: لو كنت شاكا ما قتلتهم. قال فسمعته وهو يقول: أشركني الله في تلك الدماء، مضى والله زيد عمي وأصحابه شهداء، مثل ما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه ". وعلى هذا فلو فرض القول بأن قيام الإمام الحسين الشهيد كان من خصائصه ولم يجز جعله أسوة في الخروج على أئمة الجور فقيام زيد لا يختص به قطعا، لعدم خصوصية فيه وعدم كونه إماما معصوما.
ولكن الفرض باطل قطعا، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) أسوة كجده رسول الله (صلى الله عليه وآله). والإمام المجتبى أيضا قام وجاهد إلى أن خان أكثر جنده وغدروا ولم يتمكن من مواصلة الجهاد. وسائر الأئمة (عليهم السلام) أيضا لم تتحقق لهم شرائط القيام. فهم (عليهم السلام) نور واحد وطريقهم واحد، وإنما تختلف الأوضاع والظروف، فلاحظ.
وقد مر أن القيام للدفاع عن الإسلام وعن حقوق المسلمين في قبال هجوم الأعداء وتسلطهم على بلاد الإسلام وشؤون المسلمين، مما يحكم به ضرورة العقل والشرع، ولا يشترط فيه اذن الإمام. فانظر كيف غفل المسلمون ورؤساؤهم وأغفلوا وهجم الكفار وعملاؤهم على كيان الإسلام وشؤون المسلمين السياسية والاقتصادية والثقافية، وكل يوم تسمع أخبار المجازر والغارات والاعتقالات، ورجال الملك ووعاظ السلاطين وعلماء السوء ساكتون في قبالها، وتراهم يصرفون أوقاتهم وطاقاتهم في التعيش والترف، وفي إشاعة الفتن والاختلافات الداخلية وهضم بعضهم لبعض. هذا، وتوجد روايات دالة على ذم زيد وتخطئته في قيامه، ولكن أسانيدها ضعيفة جدا، فلا تقاوم صحيحة العيص والأخبار الكثيرة الواردة في مدحه وتأييد ثورته، المتلقاة بالقبول من قبل أصحابنا رضوان الله عليهم.
ثم إنه يظهر من الصحيحة إجمالا أنه كانت توجد في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) بعض الثورات من قبل السادة من أهل البيت غير مؤيدة من قبله (عليه السلام) مع اشتمالها على الدعوة الباطلة والعصيان للإمام الحق. ولا يهمنا تشخيصها ومعرفتها بأعيانها، وان كان من المحتمل إرادة قيام محمد بن عبد الله المحض باسم المهدوية إذ المستفاد من الأخبار والتواريخ انه قام باسم المهدوية، وان أباه وأخاه وأصحابه كانوا يعرفونه بذلك. ففي الإرشاد: " إن كثيرا من الهاشميين وفيهم عبد الله وابناه محمد وإبراهيم، ومنصور الدوانيقي اجتمعوا في الأبواء فقال عبد الله: قد علمتم ان ابني هذا هو المهدي فهلم فلنبايعه، فبايعوه جميعا على ذلك... وجاء جعفر بن محمد (عليهما السلام) فأوسع له عبد الله إلى جنبه فتكلم بمثل كلامه، فقال جعفر (عليه السلام): لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأت بعد. إن كنت ترى أن ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه. وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضبا لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا، ونبايع ابنك في هذا الأمر ". ويظهر منه أيضا ان القيام غضبا لله وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما لا بأس به.
وبالجملة، حيث إنه روي من طرق الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن المهدي يظهر و " يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " فقد صار هذا سببا لاشتباه الأمر على كثيرين وادعاء كثير من الهاشميين المهدوية. ولعل الخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): أن المهدي " اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي " كان من مجعولات بعض أتباع محمد بن عبد الله بن الحسن.
والحاصل أن المستفاد من الصحيحة أن الثورات على قسمين، فالدعوة إلى النفس باطلة، والدعوة لنقض السلطة الجائرة وإرجاع الحق إلى أهله حقة، والواجب على المدعوين تحكيم العقل والدقة واتباع الحق.

الثانية: مرفوعة حماد بن عيسى، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: " والله لا يخرج أحد منا قبل خروج القائم (عليه السلام) إلا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به ". وربما يتبادر إلى الذهن في هذا السنخ من الأخبار كونها من مختلقات عمال الأمويين والعباسيين لصرف السادة العلويين عن فكرة القيام في قبال مظالمهم. مضافا إلى أن الظاهر من الخبر أنه ليس في مقام بيان الحكم الشرعي، بل هو إخبار غيبي بأن الخارج " منا " أهل البيت قبل قيام القائم لا يظفر، وان ترتب على قيامه آثار مهمة.
ويمكن أن يكون المراد بقوله " منا " خصوص الأئمة الاثني عشر لا جميع العلويين، حيث إن شيعتهم (عليهم السلام) كانوا يتوقعون منهم الخروج والقيام، وكانوا يصرون على ذلك، فأراد الإمام (عليه السلام) إقناعهم ببيان أمر غيبي، وهو أن الخارج منا قبل القائم (عليه السلام) لا يوفق ولا يظفر، لعدم العدد والعدة والأسباب اللازمة. فلا يصح أن يستدل به على السكوت منا وعدم الدفاع عن الإسلام والمسلمين في قبال هجمة الكفار وعمالهم، إذا تحققت الشرائط وظن النجاح. ونظير هذا الخبر، الخبر المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في مقدمة الصحيفة السجادية بسند غير صاف: " ما خرج ولا يخرج منا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلما أو ينعش حقا إلا اصطلمته البلية وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا ". أقول: مضافا إلى الخدشة في سند الخبر وإلى احتمال كون هذا السنخ من الأخبار من مختلقات أيادي خلفاء الوقت لصرف العلويين عن الخروج عليهم، أن المراد به على فرض صدوره ليس هو بيان الحكم الشرعي وأن الخروج جائز أو غير جائز، بل بيان أمر غيبي تلقاه الإمام (عليه السلام) من أجداده وأن الخارج " منا " لا ينجح مأة بالمأة بحيث لا تعرض له البلية. والمصائب مكروهة للطبع قهرا، وليس كل مكروه للطبع مكروها أو حراما في الشرع، بل عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ويترتب عليه بركات من جهات أخر. ثم على فرض كون الخبر في مقام بيان الحكم الشرعي فهو كما ترى مرتبط بأهل البيت (عليهم السلام) فلا يجوز التمسك به للسكوت منا في هذه الاعصار. ونظير المرفوعة وخبر الصحيفة أيضا رواية أبي الجارود، قال: " سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ليس منا أهل البيت أحد يدفع ضيما ولا يدعو إلى حق إلا صرعته البلية حتى تقوم عصابة شهدت بدرا لا يوارى قتيلها ولا يداوى جريحها. قلت: من عنى أبو جعفر (عليه السلام)؟ قال: الملائكة ".
ونحوه روايته الأخرى ولعلهما رواية واحدة وهذه قطعة من تلك فراجع. والجواب عنها كما مر. والحاصل أن هذه الأخبار ونظائرها - مضافا إلى ضعف سندها المانع من نهوضها في مقابل الأدلة القطعية الحاكمة بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حكم الإسلام - أن الظاهر كون بعضها من مختلقات أو تحريفات أيادي حكام الجور ومرتزقتهم، حيث واجهوا قيام بعض العلويين واتجاه الناس إليهم، فأرادوا بهذه الوسيلة قطع رجائهم وإبعادهم عن ميدان السياسة. وبعضها خاص بأصحاب الرايات الضالة الذين كانوا يدعون الناس إلى أنفسهم. وبعضها ناظر إلى شخص معين أو ظرف حيث لا توجد مقدمات القيام وشروطه. وبعضها صادر عن تقية من حكام الجور. وبعضها ليس في مقام بيان الحكم الشرعي، بل متضمن لإخبار غيبي فقط. إلى غير ذلك من الوجوه التي مرت أو تأتي في الروايات الآتية.

الثالثة: خبر سدير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) " يا سدير الزم بيتك وكن حلسا من أحلاسه واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك " بتقريب أن سديرا لا خصوصية له، فيجب السكوت وترك الخروج إلى قيام القائم (عليه السلام). ولكن إلغاء الخصوصية في سدير (رضي الله عنه) ممنوع بعد تتبع حاله الذي يدل على أنه كان مخلصا ولكنه يغلب إحساسه على تفكيره، وكان يظن قدرة الإمام على الخروج، فأراد الإمام (عليه السلام) بيان عدم تحقق الشروط للقيام، وأن العلامة للقائم بالحق خروج السفياني. والواجب على مثل هذا الشخص لزوم بيته، لئلا يهلك نفسه وغيره بلا فائدة. ففي تنقيح المقال أنه " ذكر عند أبي عبد الله (عليه السلام) سدير فقال: سدير عصيدة بكل لون " والمراد منه على الظاهر أنه معقود بكل لون وأنه رجل مزاجي، لا أنه يعمل بالتقية ويتلون عند كل فرقة بلون ليحفظ نفسه، كما في تنقيح المقال، إذ لو كان كذلك لما وقع في سجن المخالفين. وفي الكافي عن سدير الصيرفي، قال: " دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقلت له: والله ما يسعك القعود. فقال: ولم يا سدير؟ قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك، والله لو كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) مالك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيم ولا عدي. فقال: يا سدير، وكم عسى أن تكونوا؟ قلت: مأة ألف، قال: مأة ألف ! قلت نعم، ومأتي ألف. قال: مأتي ألف ! قلت: نعم ونصف الدنيا. قال: فسكت عني، ثم قال: يخف عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع؟ قلت: نعم. فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ونظر إلى غلام يرعى جداء فقال: والله يا سدير، لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود. ونزلنا وصلينا، فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها، فإذا هي سبعة عشر ". وبعدما عرفت من حال سدير وخصوصياته فهل يجوز رفع اليد بسبب هذا الخبر ونظائره عن جميع الآيات والروايات وحكم العقل، الحاكمة بوجوب الدفاع عن الإسلام وشؤون المسلمين في قبال هجوم الكفار والجائرين؟ !

الرابعة: خبر أبي المرهف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " الغبرة على من أثارها، هلك المحاضير. قلت: جعلت فداك وما المحاضير؟ قال: المستعجلون، أما إنهم لن يريدوا إلا من يعرض لهم ثم قال: يا أبا المرهف، أما إنهم لم يريدوكم بمجحفة إلا عرض الله - عز وجل - لهم بشاغل، ثم نكت أبو جعفر (عليه السلام) في الأرض ثم قال: يا أبا المرهف قلت لبيك، قال: أترى قوما حبسوا أنفسهم على الله - عز ذكره - لا يجعل الله لهم فرجا؟ بلى والله ليجعلن الله لهم فرجا " ويظهر من الخبر وقوع خروج ما على الحكومة وتعقيب الحكومة للخارجين، وخوف أبي المرهف من ذلك، فأراد الإمام (عليه السلام) تقوية خاطره ورفع خوفه ببيان أن ضرر الغبار يعود إلى من أثاره، فلا ينال أبا المرهف شئ. ثم أخبر (عليه السلام) بهلاك المستعجل قبل تهيئة المقدمات وإعداد القوة. ولم يكن بناء أئمتنا على المنع عن الجهاد والدفاع، بل كانوا ينهون عن التعجيل والتهور المضر بنفس الخارج وبالأئمة (عليهم السلام )، حتى أن أخبار التقية أيضا ليست بصدد المنع عن الجهاد، بل بصدد الدقة في حفظ النفس مع الإمكان، مع الاشتغال بالوظيفة الدفاعية. ولذا ورد أن " التقية جنة المؤمن " أو " التقية ترس المؤمن " فان الجنة والترس تستعملان عند مبارزة العدو، لا عند المبيت والمأمن، فليس الخبر في مقام المنع عن الدفاع، أو المنع من إقامة الحكومة مع إمكانه.

الخامسة: ما رواه الفضل بن سليمان الكاتب قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه كتاب أبي مسلم، فقال: " ليس لكتابك جواب، اخرج عنا، فجعلنا يسار بعضنا بعضا، فقال: أي شئ تسارون يا فضل، إن الله - عز ذكره - لا يعجل لعجلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله. ثم قال: إن فلان بن فلان، حتى بلغ السابع من ولد فلان. قلت فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلت فداك؟ قال: لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا - يقولها ثلاثا - وهو من المحتوم ". والرواية ضعيفة موهونة من حيث السند. وقد كان أبو مسلم مبعوثا إلى خراسان من قبل إبراهيم العباسي ثم كان من دعاة أخيه السفاح، ولكن بعد وفاة السفاح حسده المنصور على قدرته وخاف منه، وجعل يضاده ويحقره، وفي آخر الأمر قتله. فلعله في هذه الفترة أراد الارتباط بالإمام الصادق (عليه السلام) ليتقوى بذلك في مقابل المنصور، ولم تكن نيته صادقة. وكاتب المنصور أيضا كان حاضرا في المجلس، فكان الظرف ظرف الاحتياط والتقية. فمراده (عليه السلام) إما بيان أمر غيبي، وهو أن ملك المنصور لا ينقضي، أو بيان أن قتال الملوك يتوقف على تهيئة مقدمات كثيرة.

السادسة: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كل راية ترفع قبل قيام القائم (عليه السلام) فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله - عز وجل - "وروى عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال " كل راية ترفع قبل راية القائم فصاحبها طاغوت ". وقد مر في صحيحة العيص أن الدعوة على قسمين: فالدعوة إلى النفس باطلة، والدعوة لنقض الباطل وإقامة الحق وإرجاعه إلى أهله حقة. مؤيدة من قبل الأئمة (عليهم السلام ). فمراده بالراية هنا الراية الداعية إلى النفس في قبال الحق. وبعبارة أخرى: الراية الواقعة في قبال القائم، لا في طريقه ومسيره وعلى منهجه. ولذا عبر عنها بالطاغوت، وعقبها بكونها معبودة من دون الله. ويؤيد ذلك قول أبي جعفر (عليه السلام) في حديث " وأنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه، ومن رفع راية ضلالة فصاحبها طاغوت ". فقيد الراية بالضلالة. ولو قيل: الظاهر من الحديث تشخيص أن الملاك في بطلان القيام كونه قبل قيام القائم، والعموم استغراقي فلا يجوز القيام مطلقا بأي هدف وقع.
قلنا: أولا: يحتمل أن يكون المراد رفع رايات خاصة كانت موردا للبحث إذ يبعد جدا صدور هذا الكلام عن الإمام (عليه السلام) ارتجالا.
وثانيا: أن الصحيحة على هذا معارضة بصحيحة عيص وغيرها مما دل على تقديس قيام زيد وأمثاله، كقيام الحسين بن علي، شهيد فخ، الذي وردت روايات مستفيضة ظاهرة في تقديسه وتقديس قيامه.
هذا. وعن الباقر (عليه السلام) في خبر طويل في علامات الظهور " وليس في الرايات راية أهدى من اليماني. هي راية هدى، لأنه يدعو إلى صاحبكم. فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكل مسلم. وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم أن يتلوى عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم " فيظهر من هذا الخبر تحقق راية الحق قبل القائم (عليه السلام) أيضا، وأن الراية الداعية إليه والواقعة في طريقه راية هدى، يجب النهوض إليها. وعنه (عليه السلام) أيضا أنه قال: " كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم. قتلاهم شهداء. أما إني لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر " ودلالته على حدوث ثورة قبل القائم (عليه السلام) وكونها قيام حق، واضحة. إلى غير ذلك من الأخبار. وثالثا: على ما ذكرتم في مفاد الصحيحة يجب طرحها، لمخالفتها للأدلة القطعية الواردة في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مر أن القيام للدفاع عن الإسلام وعن حوزة المسلمين من أهم الفرائض التي يحكم بها الكتاب والسنة والعقل السليم. بل يجب ذلك حتى لو فرض عدم القدرة على العمل إلا في ظل راية الباطل، بشرط عدم تأييد الباطل، وإذا وجب شئ وجبت مقدماته بالضرورة. ومقدمة الدفاع في هذه الأعصار التسلح بسلاح اليوم والتدرب عليه، والتكتل والتشكل مهما أمكن.

السابعة: خبر عمر بن حنظلة، قال " سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خمس علامات قبل قيام القائم (عليه السلام): الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكية، واليماني. فقلت: جعلت فداك إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: لا ". ولعل المراد بالصيحة النداء السماوي. والمراد بالخسف خسف جيش السفياني بالبيداء. ولعل نظر الخبر إلى الخروج مع من كان يدعي المهدوية في ذلك العصر. وعلى أي حال لا ربط له بالجهاد الدفاعي بالنسبة إلينا بعدما ثبت وجوبه بالكتاب والسنة والعقل.

الثامنة: رواية معلى بن خنيس قال " ذهبت بكتاب عبد السلام بن نعيم وسدير، وكتب غير واحد إلى أبي عبد الله (عليه السلام) حين ظهر المسودة قبل أن يظهر ولد العباس، بأنا قد قدرنا أن يؤول هذا الأمر إليك فما ترى؟ قال فضرب بالكتب الأرض، ثم قال: أف أف، ما أنا لهؤلاء بإمام. أما يعلمون أنه إنما يقتل السفياني ". وقد مر الجواب عنها في الرواية الثالثة.

التاسعة: ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " يا علي، إن إزالة الجبال الرواسي أهون من إزالة ملك لم تنقض أيامه ". وليس غرض النبي (صلى الله عليه وآله) من هذه الفقرة بيان عدم النجاح أو حرمة القيام في قبال الملوك، بل بيان أن المقدر والمقضى من الملك كغيره من الأمور كائن لا محالة، فيجب أن لا توجب الهزيمة على يد الملوك يأسا للقائم بالحق. أو بيان أن إزالة الملك كإزالة الجبال أمر عسير جدا، لا يتحقق إلا بتهيئة مقدمات كثيرة ومرور زمان كثير، وإرشاد الناس وتوعيتهم السياسية، فوظيفة الناس في الدفاع عن الإسلام والمسلمين باقية بحالها.

العاشرة: ما رواه الحسين بن خالد قال: " قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إن عبد الله بن بكير كان يروي حديثا، وأنا أحب أن أعرضه عليك. فقال: ما ذلك الحديث؟ قلت: قال ابن بكير حدثني عبيد بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) أيام خرج محمد (إبراهيم) بن عبد الله بن الحسن إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: جعلت فداك إن محمد بن عبد الله قد خرج، فما تقول في الخروج معه؟ فقال: اسكنوا ما سكنت السماء والأرض. فقال عبد الله بن بكير: فإن كان الأمر هكذا أو لم يكن خروج ما سكنت السماء والأرض فما من قائم وما من خروج. فقال أبو الحسن (عليه السلام): صدق أبو عبد الله (عليه السلام) وليس الأمر على ما تأوله ابن بكير، إنما عنى أبو عبد الله (عليه السلام): اسكنوا ما سكنت السماء من النداء، والأرض من الخسف بالجيش ". وقد مر أن الظاهر من الأخبار والتواريخ أن محمد بن عبد الله قد خرج بعنوان المهدوية، وكان يدعو إلى نفسه، فيريد الإمام (عليه السلام) بيان أن لقيام المهدي هاتين العلامتين، فلا تقبلوا ادعاء من ادعاها قبلهما، فلا يدل على السكوت في قبال هجوم أعداء الإسلام، وهذا واضح.

الحادية عشرة: ما في نهج البلاغة: " الزموا الأرض واصبروا على البلاء ولا تحركوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجله الله لكم، فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته، مات شهيدا ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسيفه. وإن لكل شئ مدة وأجلا ".
ولا يخفى أن كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) وخطبه مليئة بالحث على الجهاد والتحريض عليه، فلا محالة يختص كلامه هنا بحالة خاصة. وفي شرح ابن أبي الحديد: "... ولكن قوما من خاصته كانوا يطلعون على ما عند قوم من أهل الكوفة ويعرفون نفاقهم وفسادهم، ويرمون قتلهم وقتالهم، فنهاهم عن ذلك وكان يخاف فرقة جنده وانتشار حبل عسكره، فأمرهم بلزوم الأرض والصبر على البلاء ".

الثانية عشرة: خبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " الزم الأرض ولا تحرك يدا ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك - وما أراك تدركها -: اختلاف بني فلان، ومناد ينادي في السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق ". ولعله كان لجابر خصوصية، نظير ما كان لسدير، أو لعل المجلس لم يخل من الاغيار، وذكر علائم المهدي (عليه السلام) شاهد على أن الغرض النهي عن التحرك مع من يدعي المهدوية قبل العلامات، إلى غير ذلك من المحتملات، فلا يقاوم مثل هذا الخبر أدلة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكثرتها. الثالثة عشرة: رواية كتاب الغارات قال: " خطب علي (عليه السلام) بالنهروان... فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين حدثنا عن الفتن، فقال: إن الفتنة إذا أقبلت شبهت. ثم ذكر الفتن بعده... فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما نصنع في ذلك الزمان؟ فقال: انظروا أهل بيت نبيكم، فإن لبدوا فالبدوا، وان استصرخوكم فانصروهم تؤجروا، ولا تستبقوهم فتصرعكم البلية. ثم ذكر حصول الفرج بخروج صاحب الأمر (عليه السلام) ". وظاهر كتاب الغارات كون المراد بذلك الزمان زمن فتنة بني أمية. وكون مرجع الحق في عصر بني أمية أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) واضح عندنا. ووجوب جعل كلماتهم وإرشاداتهم الباقية محورا للعمل أمر صحيح على مذهبنا. فلا تنافي الرواية أدلة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناهما الوسيع.

اما من يستند على جواز الخروج على الحاكم الجائر فبعد رد تلك الروايات التي يتصور منها عدم جواز الخروج يستند الى عدة وجوه منها:
1- التمسك باطلاق ادلة وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر اللفظية من آيات وروايات.
2- التمسك بالروايات الخاصة الصادرة عن اهل البيت كرواية العيص المتقدمة او رواية الكاظم عليه السلام في حثه للحسين قتيل فخ على القتال.
3- التمسك بسيرة الحسين في خروجه على طاغية زمانه.
ودمتم برعاية الله

Downloaded from aqaed.com